محمد سعيد رمضان البوطي
106
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
لأن اللّه عز وجل جعل وجودهم غير خاضع للطاقة البصرية التي بثها في أعيننا ، ومعلوم أن أعيننا إنما تبصر أنواعا معينة من الموجودات بقدر معين وبشروط معينة . ولما كان وجود هذه الخليقة مسندا إلى أخبار يقينية متواترة وردت إلينا من الكتاب والسنة ، وكان أمرها معلوما من الدين بالضرورة أجمع المسلمون على أن إنكار الجن أو الشك في وجودهم يستلزم الردة والخروج عن الإسلام . إذ أن إنكارهم إنكار لشيء علم أنه من الدين بالضرورة ، عدا أنه يتضمن تكذيب الخبر الصادق المتواتر الوارد إلينا عن اللّه عز وجل وعن رسوله . ولا ينبغي أن يقع العاقل في أشد مظاهر الغفلة والجهل من حيث يزعم أنه لا يؤمن إلا بما يتفق مع ( العلم ) ، فيمضي يتبجح بأنه لا يعتقد بوجود الجان ، من أجل أنه لم ير الجان ولم يحسّ بهم . إن من البداهة بمكان أن مثل هذا الجهل المتعالم ، يستدعي إنكار كثير من الموجودات اليقينية لسبب واحد هو عدم إمكان رؤيتها . والقاعدة العلمية المشهورة تقول : عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود ؛ أي عدم رؤيتك لشيء تفتش عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقودا أو غير موجود . خامسا : ما موقع كل ما رآه النبي صلّى اللّه عليه وسلم في سياحته هذه في الطائف وما أثر كل هذا الذي عاناه ، في نفسه ؟ يتضح الجواب على هذا فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لزيد بن حارثة ، حينما سأله زيد متعجبا : « كيف تعود يا رسول اللّه إلى مكة وهم أخرجوك » ؟ فقد أجابه في ثقة واطمئنان قائلا : « يا زيد إن اللّه جاعل لما ترى فرجا ومخرجا ، وإن اللّه ناصر دينه ومظهر نبيّه » . وإذن فإن كل ذاك الذي رآه وعاناه في الطائف ، بعد القسوة والعذاب اللذين رآهما في مكة ، لم يكن له أي تأثير على ثقته باللّه تعالى أو على قوة العزيمة الإيجابية في نفسه . ولا واللّه ، ليست هذه عزيمة بشر أوتي طبعه مزيدا من التحمل أو قوة الإرادة . ولكنه يقين النبوة كان ثابتا في قلبه صلّى اللّه عليه وسلم فهو يعلم أنه إنما ينفذ أمر ربه ويسير في الطريق التي أمره اللّه أن يسير فيها ، ومما لا ريب فيه أن اللّه بالغ أمره ، وقد جعل لكل شيء قدرا . والفائدة التعليمية لنا في هذا الأمر ، هي أن لا تصدنا المحن والعقبات التي تكون في طريق الدعوة الإسلامية عن السير ، وأن لا تبثّ فينا روح الدعة والكسل ، ما دمنا نسير على هدى من